عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
499
اللباب في علوم الكتاب
فقال : أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ لأنّها تشغل القلب بالدّنيا . ثم قال : وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ أي : أنّ سعادة الآخرة خير من سعادات الدّنيا ، لأنّ سعادات الآخرة لا نهاية لها ، وسعادات الدنيا تفنى وتنقضي . قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 29 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 29 ) قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً الآية . لمّا حذّر من الفتنة بالأموال ، والأولاد ، رغّب في التّقوى الموجبة لترك الميل ، والهوى في محبّة الأموال والأولاد . فإن قيل : إدخال الشّرط في الحكم إنّما يحسن في حقّ من كان جاهلا بعواقب الأمور وذلك لا يليق باللّه تعالى . فالجواب : أنّ قولنا إن كان كذا كان كذا لا يفيد إلّا كون الشّرط مستلزما للجواب ، فأمّا أنّ وقوع الشّرط مشكوك فيه ، أو معلوم فذلك غير مستفاد من هذا اللّفظ ، سلّمنا أنّه يفيد هذا الشّك إلّا أنه تعالى يعامل العباد في الجزاء معاملة الشّاك ، وعليه يخرّج قوله تعالى وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [ محمد : 31 ] . قال أبو العباس المقرئ : « الفرقان » على أربعة أوجه : الأول : الفرقان النور ، كهذه الآية أي : يجعل لكم نورا في قلوبكم تفرّقون به بين الحلال والحرام . والثاني : الحجة . قال تعالى وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ [ البقرة : 53 ] أي : الحجة . الثالث : القرآن . قال تعالى تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ [ الفرقان : 1 ] أي : القرآن . الرابع : يوم بدر قال تعالى يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [ الأنفال : 41 ] أي : يوم بدر . فصل [ في معنى الآية : إن تتقوا اللّه بطاعته وترك معصيته يجعل لكم فرقانا ] ومعنى الآية : إن تتّقوا اللّه بطاعته وترك معصيته يجعل لكم فرقانا . قال مجاهد : « مخرجا في الدّنيا والآخرة من الضّلال » « 1 » وقال مقاتل : « مخرجا في الدّين من الشّبهات » « 2 » .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 223 ) عن مجاهد وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 324 ) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ . وذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 243 ) . ( 2 ) انظر معالم التنزيل للبغوي ( 2 / 243 ) .